الشيخ الدكتور علي بن عبدالله بن علي جابر – رحمه الله –
إمام المسجد الحرام وأستاذ الفقه المقارن
شخصية غابت عن الأضواء سنوات عديدة بعد تركه الإمامة في المسجد الحرام وبقي صوته الشجي العذب في نفوس المسلمين من شتى أصقاع المعمورة
بلغت شهرة الشيخ الدكتور عليبن عبدالله بن صالح بن علي جابر, في وقت من الأوقات , آفاق العالم الإسلامي فحنجرتهالتي تمتلك صوتا شجياً في ترتيل القرآن الكريم كانت حاضرة في أسماع المسلمين وهميتجهون صوب المسجد الحرام, من خلال التلفاز والإذاعة لسماع أداء الصلوات في الحرمينحينذاك كان يؤم المصلين في صلاة القيام خلال شهر رمضان المبارك.
هوعلي بن عبد الله بن صالح بن علي جابر السعيدي اليافعي الحميري القحطاني، يعود فينسبه إلى قبيلة ( آل علي جابر ) اليافعيين الذين استوطنوا منطقة ( خشامر ) في حضرموت ونشروا فيها دعوة التوحيد وحاربوا الجهل والخرافة وعرفوا بتمسكهمبالكتاب والسنة الصحيحة وعقيدة السلف الصالح ودعوتهم إلى منهج أهل السنة والجماعة ،ومنها انتقل والده عبد الله بن صالح بن علي جابر إلى جدة بالحجاز واستقر فيها .
ولد الشيخ علي جابر فيمدينة جدة في شهر ذي الحجة عام 1373هـ .
عند بلوغه الخامسة منعمره انتقل إلى المدينة المنورة مع والديه لتكون مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلممقر إقامته برفقة والديه وأتم حفظ القرآن الكريم في الخامسة عشر من عمره .
يقول الشيخ علي جابر: ( كان والدي -يرحمه الله- لا يسمح لنا بالخروج للعب في الشارع والاحتكاك بالآخرين, حتى توفاه الله, كنت لا أعرف إلا الاتجاه إلى المسجد النبوي ومن ثم الدراسة وأخيرا العودة إلى البيت, لقد كان لوالدي -رحمه الله- دور كبير في تربيتي وتنشئتي وانتقل إلى جوار ربه في نهاية عام 1384هـ وعمري آنذاك لا يتجاوز الأحد عشر عاما ثم تولى رعايتي, من بعده, خالي -رحمه الله- بالمشاركة مع والدتي ) .
ويتحدث فضيلته عن بداية حفظه للقرآن الكريم بقوله: ( بدأت حفظ القرآن الكريم في مسجد الأميرة منيرة بنت عبدالرحمن - رحمها الله - ويقع في منطقة باب المجيدي بالمدينة النبوية, وقد بدأت الحفظ على يد شيخين كريمين في المسجد وحفظت على أيديهما أحد عشر جزءاً ثم رشحت بعد ذلك للالتحاق بالمعهد الذي افتتحته الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة النبوية وكان يديره الشيخ خليل بن عبدالرحمن وهذا الأخير أكملت عليه حفظ باقي كتاب الله عز وجل وكان له دور بارز في تمكيني من الحفظ وإتقان التجويد على أسسه السليمة ) .
وعندما نعود إلى النشأة التي عاش فيها الشيخ علي جابر طفلاً ثم شاباً التي لم يتأثر فيها بالمغريات التي واجهت أقرانه يتحدث الشيخ علي جابر عن تلك المرحلة بقوله: (بالنسبة للظرف الذي عشته فانا ما شعرت -بحمد الله- بفارق كبير بين مجتمع النشأة الذي عشته في الصغر وبين المجتمع الآخر الذي يأتي بعد أن يبلغ الإنسان مرحلة مبكرة من العمر تأتيه ما يسمى بالمغريات والتحديات, فكما قلت أن من نعمة الله عليّ وتوفيقه لي أن أحاطني بنخبة من الإخوان الصالحين الذين يكبرونني قليلاً في السن من الذين عاشوا في المدينة المنورة ودرسوا في الجامعة الإسلامية .
وكما قلت أن الإنسان يمكن أن يتكيف مع المجتمع من خلال ما درس وتعلم إذ يستطيع تطبيقه في واقع حياته ويضيف قائلاً: ( بحمد الله الظرف الذي عشته في المدينة النبوية والالتقاء بهؤلاء الإخوة الذين وفقهم الله عز وجل لكي يحيطوا بي في تلك السن التي تمر على كل شاب من الشباب وهي ما تسمى فترة المراهقة وقد تتغير به هذه المرحلة أحيانا إذا لم يوفق إلى أناس يدلونه على الخير ويرشدونه إليه, ولكن بحمد الله وفقني الله عز وجل في تخطي هذه المرحلة على أحسن ما يكون ) .
مراحل تعليمه بالمدينة النبوية
درس الشيخ المرحلتين الابتدائية والمتوسطة بمدرسة دار الحديثبالمدينة المنورة .
ودرس المرحلة الثانوية بالمعهد الثانوي التابعللجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .
ودرس المرحلة الجامعية بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وتخرج فيها عام 95/1396هـ بدرجةامتياز .
أبرز المشائخ الذين تلقى عنهم في المدينة النبوية
1- سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز – رحمه الله – عندما كان رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة ، وكان يلازم الشيخ كثيراً ويتناول معه الغداء والعشاء على سفرته العامرة أغلب الأيام في تلك الفترة .
2- الشيخ محمد المختار بن أحمد الجكني الشنقيطي – رحمه الله – المدرس بالمسجد النبوي سابقاً ، وكان الشيخ علي جابر يدرس عليه في المسجد وفي بيته ، وهو والد الشيخ الفقيه الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي المدرس حالياً بالمسجد النبوي الشريف .
سفره إلى الرياض لدراسة الماجستير بالمعهد العالي للقضاء
بعد انتهاء الشيخ من مرحلة البكالوريوس وتخرجه في الجامعة ؛ فضل إكمال الدراسات العليا على أن يلتحق بالسلك الوظيفي , ويتحدث عن ذلك قائلا: ( الإرادة الربّانية شاءت أن أواصل الدراسة الجامعية في مراحلها العليا حتى يتسنى لي الحصول على أكبر قسط من العلم, وحتى يتسنى لي الالتقاء بعدد آخر من العلماء في غير المنطقة التي عشت فيها, وبحمد الله تم لي ذلك, فقد انتقلت إلى الرياض وظفرت بمشايخ أجلاء ).
وكان التحاق الشيخ بالمعهد العالي للقضاء عام 96/1397هـ وأكمل به السنة المنهجيةللماجستير, ثم أعد الأطروحة وكانت عن ( فقه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما وأثرهفي مدرسة المدينة), ونوقشت الرسالة عام 1400هـ وحصل على درجة الماجستير بامتياز .
اعتذاره تورعاً عن تولي منصبالقضاء
بعد تفوق الشيخ وحصوله على درجة الماجستير رشح للقضاء من سماحة الشيخ عبدالله بن حميد - رحمه الله - الذي كان رئيساً لمجلس القضاء الأعلى في ذلك الوقت وتم تعيينه قاضياً في منطقة (ميسان) قرب الطائف إلا أن الشيخ علي اعتذر عن تولي هذا المنصب ، ووضح الشيخ علي جابر سبب اعتذاره عن تولي منصبالقضاء بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : ( القضاةثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة ) ، وطلب من من الشيخ عبدالله إعفاءه من القضاء وبذل شتى المحاولات إلا أن الشيخ عبدالله - رحمه الله - رفض أن يعفيه ، فتقدم بطلبه إلى الملك خالد – رحمه الله – لإعفائه من القضاء ، فتم تعيينه مفتشاً إدارياً بوزارة العدل ، فكان يقول : ( ما كنت أريد الاقتراب من القضاء أو أي أمر يتعلق به ) واعتذر أيضاً عن تولي هذه الوظيفة تورعاً .
ومع اعتذاره عن تولي القضاء والتفتيش عليه فلم يتم إخلاء طرفه من وزارة العدل وبقي الشيخ سنة كاملة بدون وظيفة!!
إخلاء طرفه من وزارة العدل وتعيينه محاضراً بالمدينة بأمر الملك خالد
ثم صدر أمر ملكي كريم منالملك خالد بن عبدالعزيز -يرحمه الله- بإخلاء طرفه من وزارة العدل, وتعيينه محاضرافي كلية التربية بالمدينة المنورة فرع جامعة الملك عبدالعزيز بالمدينة المنورةوبالتحديد في قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية, وباشر التدريس بها في شهر شوال من العامالجامعي 1401هـ .
تعيينه إماماً خاصاً للملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله –
ثم إماماً رسمياً بالمسجد الحرام
ومع أن الشيخ علي جابر حفظالقرآن الكريم في سن مبكرة وأتقن حفظه بصورة ربما قد أذهلت الحفظة فأرادوا خطو نهجهفلم يكن يطمح في الإمامة إلا أن الحكمة الإلهية أوصلته ليكون إماما بالمسجد الحراميتحدث الشيخ عن ذلك بقوله: (لم تكن لدي رغبة في الإمامة ولكن أقحمت فيها إقحاماوإلا فان الباعث الأساسي على حفظ كتاب الله إنما حفظه وتعقله وتدبر معانيه, ولم يكن المقصود منه أن يكون الإنسان به إماما ولكن شاءت الإرادة الربانية والحكمة الإلهية أن أتولى الإمامة في مسجد الغمامة بالمدينة النبوية سنتين متتاليتين (1394 -1396)نفس العام الذي تخرج فيه من الجامعة ومن ثم مسجد السبق سنة كاملة, ثم جاءت سنة1401هـ في عهد الملك الراحل خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله رحمة الأبرار- فكنت إماماله في المسجد الخاص به بقصره في الطائف وعندما نزل مكة المكرمة, وبالضبط في ليلةالثالث والعشرين من رمضان, طلب -رحمه الله- أن انزل إلى مكة المكرمة ، وما كنت قدأعلمت مسبقاً بأني سأكون إماما للحرم المكي الشريف أو سأتولى الإمامة ليلة ثم يأتيبعدها تعيين رسمي بالإمامة, فنزلت تلك الليلة وبعد الإفطار طلب مني التوجه إلىالمسجد الحرام للصلاة بالناس في تلك الليلة, وكان المقرر هو تلك الليلة فقط ولكنبعض من الشخصيات والأعيان الموجودين في مكة طلبوا منه -رحمه الله- أن أبقى فيالليالي التالية حتى بعد رحيله -يرحمه الله- إلى الطائف مرة أخرى وبقيت إلى ليلةالتاسع والعشرين ثم صدر أمره -رحمه الله- بتعييني إماما في المسجد الحرام .
ورغم أن الشيخ علي جابرفوجئ بإمامة المصلين في صلاة التراويح إلا أن المصلين لم يشعروا ولم يلاحظوا تلكالرهبة المعهودة على الأئمة عندما يقف لأول مرة على المحراب للإمامة فما بالكبمحراب المسجد الحرام الذي يمر أمامه الطائفون ويصلي خلفه الملايين في ليالي العشرالأخيرة من رمضان, فلم ينتب الشيخ علي جابر رهبة الموقف حيث يقول عن ذلك الموقف : ( من حيث الرهبة فلم تأتني وذلك بحكم أنني سبق أن تعودت الإمامة سابقاً, لكن ما منشك أن الشعور عظيم والإنسان يؤم المصلين بذلك العدد الكثيف في بيت الله الحرام فيأول بيت وضع للناس الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً, وهذه السعادة لا يمكن أنتعبر عنها كلمات أو عبارات إنما أقول إنه لم يكن تكليفاً بقدر ما هو تشريف ) .
ثمصارالشيخإماماً رسمياً بالمسجد الحرام يؤم الناس بصوته الشجي في صلاة الفجر بالمسجد الحرامعام 1402هـ وفي صلاة التراويح والتهجد وهو العام الذي توفي فيه الملك خالد بنعبدالعزيز -رحمه الله- .
طلبه الإعفاء من الإمامة بالمسجد الحرام
في عام 1403هـ ولظروف عديدة تقدم الشيخ بطلب الإعفاء من الإمامة بالمسجد الحرام ووافق عليه مسئولو رئاسة شؤون الحرمين ، وفضّل أن يرجع إلى عمله بالتدريس الجامعي في المدينة المنورة ولعلنا نذكر منها شدة تعلق الشيخ ببر والدته في المدينة وكونه كثيراً ما كان من ورعه ينبه ويقول : "إن الإمامة ولاية ومسؤولية عظيمة خاصة إمامة المسجد الحرام" ، ورغبته في نفس الوقت بمواصلة مسيرته في طلب العلم وتدريسه من خلال عمله الوظيفي وهو التدريس الجامعي بالمدينة النبوية التي نشأ وطلب العلم فيها وعاصر فيها نخبة من كبار العلماء وكان متعلقاً بها ، وكذلك ما تعرض له الشيخ من ابتلاءات عديدة بسبب الشهرة الكبيرة التي حصلت له من إعجاب الناس بتلاوته في المسجد الحرام وكونه أبرز من شد الناس بتلاوته في المسجد الحرام في ذلك الوقت وحتى الوقت الحاضر ، فقد جلبت له الشهرة مع كثرة المحبين حساداً على ما من الله به عليه ، ومن الابتلاءات أن الشيخ - رحمه الله - فقد صوته تماماً لعدة أشهرثم من الله عليه بالشفاء ورجع له صوته العذب وذلك قبل أن يتقدم بطلب الإعفاء فلعل هذه الظروف مجتمعة من العوامل التي دفعت الشيخ لأن يتقدم بطلب الإعفاء من إمامة المسجد الحرام ليتفرغ للعلم وبر والدته ويتورع عن تحمل أمانة ومسؤولية ا